واصف جوهرية

231

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

لمحة عن الحشيش استقر الحال لبحرية يافا وعائلاتهم وتأمنت راحتهم في هذه الحرب ثم والمهم أن بعضهم ومن كان فارا من وجه الدولة حصل على العفو التام واشتغل في عمله الأصلي كبحري . ومن يعرف بحرية يافا يدرك ما لهذه البيئة من مرح فقد ضرب فيهم المثل بالبطولة والنخوة وحب الكيف والكرم . وهكذا اتفقوا فيما بينهم فخصصوا قاعة كبيرة على الشاطئ بعيدة عن عائلاتهم كانوا يقضون سهراتهم فيها يتحدثون عن مصائبهم ويشتكون أحوالهم لبعضهم ثم يغنون ويسكرون ويشربون الحشيش وقد حضرت هذه الجلسات القيمة وجميعهم كان يحن إلى فيستمعوا كثيرا إلى عزفي على العود وإنشادي خصوصا التواشيح فكانوا يطيرون فرحا ويطربون وكل منهم يطلب رضاي لما كنت وقيمتي بمعية حسين أفندي الذي كان سببا في تقرير مصيرهم على هذه الصورة السليمة زمن الحرب . كانوا يجلسون حول القاعة كل بجانب زميله وكان يترأسهم في الصدر من يشرف على صب المدام فهذا وبيده اليمنى القنينة وباليسرى كأسا صغير كان يملؤه ويسقي الزميل بجانبه وهذا بدوره يسقي الآخر إلى نهاية الحضور وكانت المازة إما بندورة أو فقوسة لعدم الحصول على شيء آخر زمن الحرب . ثم يعود الساقي فيسقي الحضور بالطريقة الأولى مدة ساعة من الزمن وفيها كنت أنا أعزف وأغني ما تيسر من الأغاني . ثم يجيء شخص مسؤول فيعمر الجوزة ويضع الحشيشة في التنباك المتبل ويسلمها إلى الريس الذي كان الساقي فيشرب منها ما يكفيه مثنى وثلاث ثم يعطها إلى زميله الذي يجلس بجانبه إلى أن يشرب الجميع ويعيد الدور ثانية وربما مرة ثالثة ويكون كأس المدام يصب ويقدم لكل منهم ثم يبدأ واحدا منهم ذو الصوت الحسن ويغني : لما قعدنا نشرب صافي الحشيش الجميع : آه يا ليل يا عيني * لما قعدنا نشرب صافي الحشيش الجميع : آه يا ليل يا عيني * حشيش ياللي والجوزة تتحضر آه بدها حشيش الجميع : آه يا ليل يا عيني وهكذا غناء بإنتظام وعلى الإبقاع إلى أن يطربوا على هذه الأغنية وبعد ما يقرب من النصف الساعة تقريبا تشاهد العجب العجاب من الفكاهات البديهية والأحاديث النادرة من كل واحد منهم بصورة يعجز الوصف عنها والجدير بالذكر في هذا الصدد أن الشخص الذي يؤثر معه الحشيش يصبح جبانا فإذا ما جئته وأشرت له بأصابع يدك على غفلة يجن جنونه ويميل رأسه وكأنها بندقية صوبت إلى وجهه . ثم يتطلب استعمال الحشيش الحلوى ونظرا للمجاعة وعدم وجود السكر طيلة أيام الحرب فكانوا يأكلون القطين بشغف زائد . وقد جربت مع هؤلاء لأول مرة استعمال هذه المخدرات ولكن للعلم بالشيء فقط والحمد للّه .